ابن قيم الجوزية
695
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
كونا وقدرا ، وبين هذين الأمرين وأمر من لم يؤمن بالإيمان فرق ، فإنه سبحانه لم يحب من إبراهيم ذبح ولده ، وإنما أحبّ منه عزمه على الامتثال ، وأن يوطّن نفسه عليه ، وكذلك أمره محمدا صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء بخمسين صلاة ، وأما أمر من علم أنه لا يؤمن بالإيمان ، فإنه سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا به وبرسله ، ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره ، ووفقه له ، وخذل بعضهم ، فلم يعنه ولم يوفقه ، فلم تحصل مصلحة الأمر منهم ، وحصلت من الأمر الذبح . فصل وأما الكتابة فالكونية كقوله : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ( 21 ) [ المجادلة ] وقوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 ) [ الأنبياء ] وقوله : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 4 ) [ الحج ] والشرعية الأمرية كقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ( 183 ) [ البقرة ] وقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ( 23 ) [ النساء ] إلى قوله : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ( 24 ) [ النساء ] وقوله : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ( 45 ) [ المائدة ] فالأولى كتابة بمعنى القدر ، والثانية كتابة بمعنى الأمر .